محمد بن جرير الطبري
292
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
يبق منهم أحد ، إذا انا بجعفر قد طلع ، فلما جاوز الشجر قال : اخرج يا حبيبي ، قال : فخرجت ، فقال : ما عندك ؟ فقلت : حتى تعلمني كيف علمت انى هاهنا ، قال : عرفت عنايتك بما اعني به ، وانك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رايت منه ، وعلمت أنك تكره ان ترى واقفا في مثل هذا الوقت ، وليس في طريقك موضع استر من هذا الموضع ، فقضيت بأنك فيه ، قلت : نعم ، قال : فهات ما عندك ، قلت : رايت الرجل يهزل إذا جددت ، ويجد إذا هزلت قال : كذا هو عندي ، فانصرف يا حبيبي . قال : فانصرفت . قال : وحدثني علي بن سليمان انه سمع جعفر بن يحيى يوما يقول : ليس لدارنا هذه عيب ، الا ان صاحبها فيها قليل البقاء - يعنى نفسه . وذكر عن موسى بن يحيى ، قال : خرج أبى إلى الطواف في السنة التي أصيب فيها ، وانا معه من بين ولده ، فجعل يتعلق بأستار الكعبة ، ويردد الدعاء ، ويقول : اللهم ذنوبي جمه عظيمه لا يحصيها غيرك ، ولا يعرفها سواك اللهم ان كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا ، وان أحاط ذلك بسمعي وبصرى ، ومالي وولدى ، حتى تبلغ رضاك ، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة . قال : وحدثني أحمد بن الحسن بن حرب ، قال : رايت يحيى وقد قابل البيت ، وتعلق بأستار الكعبة ، وهو يقول : اللهم ان كان رضاك في أن تسلبنى نعمتك عندي فاسلبنى ، اللهم ان كان رضاك في أن تسلبنى أهلي وولدى فاسلبنى ، اللهم الا الفضل قال : ثم ولى ليمضى ، فلما قرب من باب المسجد كر مسرعا ، ففعل مثل ذلك ، وجعل يقول : اللهم انه سمج بمثلي ان يرغب إليك ثم يستثنى عليك اللهم والفضل قال : فلما انصرفوا من الحج نزلوا الأنبار ، ونزل الرشيد بالعمر ومعه وليا العهد ، الأمين والمأمون ، ونزل الفضل مع الأمين ، وجعفر مع المأمون ، ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه ، ومحمد بن